الشيخ محمد رشيد رضا

306

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في الدنيا وجزائهما في الآخرة ، فيه تفصيل لما سبق في الآية الرابعة . قال : إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا قال الفيومي في المصباح : رجوته أرجوه رجوا - على فعول - أمّلته أو أردته ، قال تعالى ( لا يَرْجُونَ نِكاحاً ) أي لا يريدونه والاسم الرجاء بالمد ، ورجيته أرجيه من باب رمى لغة ، ويستعمل بمعنى الخوف ، لان الراجي يخاف أنه لا يدرك ما يترجاه اه وقال الراغب : الرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة ، وقوله تعالى ( ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ؟ ) قيل ما لكم لا تخافون ؟ ومثل الزمخشري في الأساس لحقيقة الرجاء بالمغفرة من اللّه ، والرشد في الولد . والاحسان من أهل الاحسان ثم قال : ومن المجاز استعمال الرجاء في معنى الخوف والاكتراث يقال : لقيت هو لا ما رجوته وما ارتجيته . ومثل له بشعر . والتحقيق أن الرجاء الامل والتوقع لما فيه خير ونفع ، وأن الخوف توقع ما فيه شر وضر ، فهما متقابلان كما قال تعالى ( 17 : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ ) وما في هذه الآية والآيتين 11 و 15 من هذه السورة والآية 21 من سورة الفرقان من رجاء لقاء اللّه منفيا يحتمل الرجاء والخوف جميعا لأن لقاء اللّه تعالى في يوم الحساب مظنة الخوف لقوم والرجاء لآخرين ، ولذلك قال في الكافرين ( 78 : 27 إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ) وفسر بعض المحققين الرجاء هنا بمجرد التوقع الذي يشمل ما يسر وما يسوء . واللقاء الاستقبال والمواجهة والمعنى ان الذين لا يتوقعون لقاءنا في الآخرة للحساب ، وما يتلوه من الجزاء على الاعمال ، لانكارهم البعث ، ويلزمه أنهم لا يؤملون لقاءه الخاص بالمتقين في دار الكرامة ، وخصه بعضهم بلقاء الرؤية وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا بدلا من الآخرة فصار كل همهم من الحياة محصورا فيها وكل عملهم لها كما قال في المتثاقلين عن النفير للجهاد ( 10 : 38 أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ ؟ ) الآية وَاطْمَأَنُّوا بِها بسكون نفوسهم وارتياح قلوبهم بشهواتها ولذاتها وزينتها ليأسهم من غيرها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ فلا يتدبرون المنزلة منها على رسولنا وما فيها من المواعظ والعبر ، والمعارف والحكم ، ولا يتفكرون في الكونية وما تدل عليه